السيد محسن الأمين
25
أعيان الشيعة
لباقة في التنويع والتلوين . . . وفي شعر الحلي حرارة وحيوية يفتقر إليها شعر ابن نباتة . . . ( 1 ) نظرة في شعره ثم يسترسل الراوي في الحديث عن شعره فيقول : من طبيعة الشاعر العربي لا سيما في الماضي البعيد ان يفخر بنسبه وعشيرته وشجاعته وبما يتحلى به من المواهب ، فكأنه ، يريد بذلك ، ان يشعر ممدوحه انه ليس انسانا طفيليا لا هم له الا ان يعيش على صدقات المحسنين الذين رفعتهم الاقدار إلى مستوى البذل والعطاء ، وانما هو انسان له كرامته وعزته وله من كريم محتدة بحبوحة تنعم بها روحه ويشفى جسده . . . وليس كل الشعراء سواسية في هذا الشعور وهذه المنزلة من الاحساس الوثاب ، فبعضهم طفيلي لا هم له غير أن يستجدي ، وليس صفي الدين من هؤلاء على اي حال . . . فقد من الله عليه بكرم المحتد وصفاء المعدن وشجاعة القلب وعلو الهمة ، إلى غير ذلك من الصفات التي يتحلى بها كبار النفوس عادة . فكيف لا يفخر ، وهو ينعم في بحبوحة من هذه الفضائل . ومن طبيعة الشاعر ان يندفع ، في صباه ، في التغني بماثر ذاته ، مندفعا مع أحلامه الباسقة وأمانيه الفسيحة ، وخير ما يشير إلى هذه الحقيقة هو بائية صفي الدين التي يقول فيها : لئن ثلمت حدي صروف النوائب * فقد أخلصت سبكي بنار التجارب وفي الأدب الباقي الذي قد وهبنني * عزاء من الأقوال عن كل ذاهب فكم غاية أدركتها غير جاهد * وكم رتبة قد نلتها غير طالب وما كل وان في الطلاب بمخطئ * ولا كل ماض في الأمور بصائب سمت بي إلى العلياء نفس أبيه * ترى أقبح الأشياء اخذ المواهب بعزم يريني ما أمام مطالبي * وحزم يريني ما وراء العواقب وما عابني جاري سوى ان حاجتي * أكلفها من دونه للأجانب وان نوالي في الملمات واصل * أباعد أهل الحي قبل الأقارب وليس حسود ينشر الفضل عائبا * ولكنه مغرى بعد المناقب والقصيدة طويلة تقع في خمسين بيتا وكل بيت منها مثقل بهذا الفخر الصارخ ، والقصيدة هذه ، انما تتحدث عن كمي لا عن صبي ، الا إذا أراد الصبي ان يتشبه بالكمي المغوار . وهي والحالة هذه تصور واقع عنترة العبسي أكثر من تصويرها لواقع صفي الدين في صباه . . . إما نونيته الشهيرة التي يقول في مطلعها : سلي الرماح العوالي عن معالينا * واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا فقد اعترف بروعتها أعداء صفي الدين وأنصاره على السواء . وما ذكر صفي الدين ، في مجال الحسنات ، الا وذكرت هذه القصيدة . ولم تحظ بهذا العز ولم تظفر بهذا الذيوع الا لأنها تصور حالة نفسية عنيقة عاشها الشاعر ، وترسم ، بسطور من لهب تجربة اكتوى الحلي بنارها ، فقد أسلفت القول إن آل أبي الفضل قتلوا خال شاعرنا الحلي غدرا في المسجد وحين اخذ قومه بثاره تنفس صفي الدين الصعداء وأطلق حمم براكينه في فضاء الفخر والثار . وليس في هذه القصيدة فخر أجوف بالرغم من ورود بعض المبالغات التي كان يجيزها شعراء ذلك الزمان كقوله : إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة * وان دعوا قالت الأيام آمينا وفي هذه القصيدة ، إلى جانب التشبث بالفخر والاعتزاز بالنصر ، اعتزاز بقيم أخلاقية عربية سامية كقوله : قوم إذا استخصموا كانوا فراعنة * يوما وان حكموا كانوا موازينا وان قوما هذا شأنهم في الحياة ، انما يتدرعون ، في الصفو ، بجلباب العقل والنظام والسماحة . حتى إذا استخصموا وأثيروا أبوا ان يكونوا من العقلاء الجبناء ، وآثروا كرامة العاطفة المشتعلة على تحفظات العقل : تردعوا العقل جلبابا فان حميت نار الوغى خلتهم فيها مجانينا قلت إن بعض أبيات هذه الخريدة تصور الخلق العربي الأصيل ومن ذلك قوله : انا لقوم أبت اخلاقنا شرفا * ان نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا وهذا البيت يصور الخلق العربي الاسلامي أروع تصوير ويميز الخلق العربي بعد الاسلام من قبله ، فقد كانت الآية معكوسة في الجاهلية عندما كان الشاعر الجاهلي يقول : وأحيانا على بكر أخينا * إذا ما لم نجد الا أخانا وهذا خلق الغزو والإيذاء الذي نهت عنه الشريعة الاسلامية الغراء . وكأني بصفي الدين ، وقد اعطى قومه ما يستحقون من ثناء طيب النشر ، أحسن ببخله على نفسه بمثل هذا الثناء أو بعضه ، وهو الذي لم يكن مكتوف اليدين عندما التحم الخصمان ، فجاءنا بلامية تحدث في أغلب أبياتها عن دوره البطولي في المعركة ، ومما قاله عن نفسه : لما دعتني للنزال أقاربي * لباهم عني لسان المنصل وأبيت من أني أعيش بعزهم * وأكون عنهم في الحروب بمعزل وافيت في يوم أغر محجل * أغشى الهياج على أغر محجل ثار العجاج فكنت أول صائل * وعلا الضرام فكنت أول مصطل فغدا يقول كبيرهم وصغيرهم * لا خير فيمن قال إن لم يفعل . . . والظاهر أن شاعرنا الحلي لا يكتفي بما نظم في قصيدتيه السالفتين ، في مجال الفخر والاعتزاز بدليل انه راجع قصائد الفخر والاعتزاز عند العرب فأعجبته عينية قطري ابن الفجاءة فسمط أبياتها على النحو التالي : ولما مدت الأعداء باعا * وراع النفس كسرهم سراعا برزت وقد حسرت لها القناعا * أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ويحك لا تراعي
--> ( 1 ) قال " البستاني " في " دائرة المعارف " - الجزء العاشر - ط دار الهلال 1898 م ص 734 عن صفي الدين الحلي ما إليك نصه : " كان شاعر عصره على الاطلاق ، أجاد في القصائد المطولة والمقاطيع الرشيقة وله في النظم أساليب رائعة ومعان شائقة وألفاظ مانوسة ومقاصد كالسهام الراشقة . ذهب في البديع كل مذهب وتأنق في النظم والنثر حتى فقا من تقدمه واتعب من تأخره مع سلامة الألفاظ وسهولة المباني ورشاقة الأسلوب . فشعره مطبوع لا شئ فيه من التكلف فضلا عما فيه من غرائب الفنون التي تقتضي تكلفا فإنه اتى من فنون الشعر بافانين يقصر باع غيره عن مثله " .